الشيخ محمد رشيد رضا

257

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخلاف في الأمة ، ذلك أنها تفيد وجوب أخذ الاسلام بجملته ، بان ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به ، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر ، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن ، وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل ، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل ، ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه - الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم ، وإن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه - لولوا منك فرارا ، وأعرضوا عنك استكبارا ، وقالوا مكر مكرا كبارا ، إذ دعا إلى ترك المذاهب ، وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد . ومن آيات العبرة في هذا المقام اننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة ، ووصلت إلى الحقيقة ، بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق ، إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق ، والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع ، فشو الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون ، وبجاهها يعيشون ويكرمون ، وتأييد الامراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة ، وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة ، لان هذا أعون لهم على الاستبداد ، وأشد تمكينا لهم مما يهوون من الفساد ولا فساد ، إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ، ملزم للحاكم اتباعهم فيه ، لان الخواص إذا اتحدوا تبعهم العوام ، وهذه هي الوسيلة الفردة لابطال استبداد الحكام ، وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين ، والانكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، أي يعملون ببعضه على أنه دين ، ويتركون بعضا بتأويل أو غير تأويل ، كشأن من لم يصدق بأنه من اللّه ، فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته ، وفهم هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء به ، أمر مقرر في ذاته سواء فسرت به الآية أم لا . لان الآيتين اللتين أشرنا اليهما آنفا في جعل القرآن عضين ، وفي الايمان ببعضه والكفر ببعض وما في معناهما من النصوص تثبته وذهب بعض المفسرين إلى أن ( كافة ) ترجع إلى الذين آمنوا ، أي ادخلوا « تفسير المنار » « 23 » « الجزء الثاني »